محمد حسين علي الصغير
145
الصوت اللغوى في القرآن
ينبغي القول به دون سواه ، وهو أن الكلام العربي - مطلقا - على ثلاثة أنواع : قرآن ، نثر ، شعر ، فليس القرآن نثرا وإن استعمل جميع أساليب النثر عند العرب ، وليس القرآن شعرا وإن اشتمل على جميع بحور الشعر العربي حتى ما تداركه الأخفش على الخليل فسمي متداركا ، وهو الخبب ، بل هو قرآن وكفى إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ( 77 ) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ( 78 ) « 1 » . قال الجاحظ ( ت : 255 ه ) : « وقد سمى اللّه كتابه المنزل قرآنا ، وهذا الاسم لم يكن حتى كان » « 2 » . وإذا تم هذا فهو كلام اللّه تعالى وحده ، وأنى يقاس كلام البشر بكلام اللّه ، هو إذن مميز حتى في التسمية عن كلام العرب تشريفا له ، واعتدادا به ، وإن وافق صور الكلام العربي ، وجرى على سننه في جملة من الأبعاد ، كما يقال عند البعض ، أو كما يتوهم ، بأن ختام فواصله المتوافقة هي من السجع ، فالتحقيق يقتضي الفصل بين الأمرين ، لأن مجيء كثير من الآيات على صورة السجع لا توجب كونه هو ، أو أنها منه « لأنه قد يكون الكلام على مقال السجع وإن لم يكن سجعا ، لأن السجع من الكلام ، يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع ، وليس كذلك مما هو في معنى السجع من القرآن ، لأن اللفظ وقع فيه تابعا للمعنى ، وفرق بين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ ، وبين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه ، ومتى ارتبط المعنى بالسّجع كان إفادة السّجع كإفادة غيره ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع مستجلبا لتحسين الكلام دون تصحيح المعنى » « 3 » . وقد رأينا عند تعقب هذه الظاهرة : أن التعبير المسجوع في القرآن لا تفرضه طبيعة النسق القرآني فحسب كما يخيل للكثيرين عند النظر في مثل قوله تعالى : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ( 1 ) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ ( 2 ) « 4 » . بدليل أنه
--> ( 1 ) الواقعة 77 - 78 . ( 2 ) الجاحظ ، الحيوان : 1 / 348 . ( 3 ) الزركشي ، البرهان : 1 / 56 . ( 4 ) التكاثر : 1 - 2 .